ابن خلدون
296
تاريخ ابن خلدون
صلاح الدين ولما بلغه خبر وفاته سار إلى مصر واستخلف على دمشق عز الدين فرخشاه ابن شاهنشاه وكان سيف الدين مبارك بن كامل بن منقذ الكناني نائبه بزبيد قد تغلب في ولايته وتحكم في الأموال فنزع إلى وطنه واستأذن شمس الدولة قبل موته فأذن له في المجئ واستأذن أخاه عطاف بن زبيد وأقام مع شمس الدولة حتى إذا مات بقي في خدمة صلاح الدين وكان محشدا فسعى فيه عنده أنه احتجر أموال اليمن ولم يعرض له فتحيل أعداؤه عليه وكان ينزل بالعدوية قرب مصر فصنع في بعض الأيام صنيعا دعى إليه أعيان الدولة واختلف مواليه وخدامه إلى مصر في شراء حاجتهم فتحيلوا لصلاح الدين انه هارب إلى اليمن فتمت حيلتهم فقبض عليه ثم ضاق عليه الحال وصابره على ثمانين ألف دينار مصرية سوى ما أعطى لأهل الدولة فأطلقه وأعاده إلى منزلته فلما بلغ شمس الدين إلى اليمن اختلف نوابه بها حطان بن منقذ وعثمان بن الزنجبيلي وخشي صلاح الدين أن تخرج اليمن عن طاعته فجهز جماعة من أمرائه إلى اليمن مع صارم الدين قطلغ أبيه والى مصر من أمرائه فساروا لذلك سنة سبع وسبعين واستولى قطلغ أبيه على زبيد من حطان بن منقذ ثم مات قريبا فعاد حطان إلى زبيد وأطاعه الناس وقوى على عثمان الزنجبيلي فكتب عثمان إلى صلاح الدين أن يبعث بعض قرابته فجهز صلاح الدين أخاه سيف الاسلام طغركين فسار إلى اليمن وخرج حطان بن منقذ من زبيد وتحصن في بعض القلاع ونزل سيف الاسلام زبيد وبعث إلى حطان بالأمان فنزل إليه وأولاه الاحسان ثم طلب اللحاق بالشأم فمنعه ثم ألح عليه فأذن له حتى إذا خرج واحتمل رواحله وجاء ليودعه قبض عليه واستولى على ما معه ثم حبسه في بعض القلاع فكان آخر العهد به ويقال كان فيما أخذه سبعون حملا من الذهب ولما سمع عثمان الزنجيلي خبر حطان خشي على نفسه وحمل أمواله في البحر ولحق بالشام وبقيت مراكبه مراكب لسيف الاسلام فاستولى عليها ولم يخلص الا بما كان معه في طريقه وصفا اليمن لسيف الاسلام والله تعالى أعلم [ دخول قلعة البيرة في إيالة صلاح الدين وغزوه الإفرنج وفتح بعض حصونهم مثل السقيف والغرر وبيروت ] كانت قلعة البيرة من قلاع العراق لشهاب الدين بن ارتق وهو ابن عم قطب الدين أبى الغازي بن ارتق صاحب ماردين وكان في طاعة نور الدين محمود بن زنكى صاحب الشأم ثم مات وملك البيرة بعده ابنه ومات نور الدين فسار إلى طاعة عز الدين مسعود صاحب الموصل ثم وقع بين صاحب ماردين وصاحب الموصل من المخالصة والاتفاق ما وقع وطلب من عز الدين أن يأذن له في أخذ البيرة فأذن له فسار قطب الدين في عسكره